فيما يلي نص المداخلة التي ألقاها السيد عبد الرزاق الجندوبي مدير القروض لدى البنك المركزي التونسي حول تمويل الإستثمار في قطاع التجارة وذلك خلال فعاليات منتدى صفاقس للإستثمار (الخميس 19 نوفمبر 2009):
سيداتي، سادتي
إنه لمن دواعي الاعتزاز أن أساهم في فعاليات و أعمال الدورة الثالثة لمنتدى صفاقس للاستثمار في هذه الجهة التي تميزت منذ القدم بحركية اقتصادية ونشاط تجاري واكب التطور الهام الذي تشهده بلادنا وساهم بفعالية في تنشيطه بصفة مستمرة.
كما يسعدني الحضور اللافت للنظر لمختلف المتعاملين والهياكل الإدارية في هذه الدورة وهو ما سيساهم في إنجاحها و إفرازها لتوصيات تتوافق مع معطيات المرحلة الراهنة وإني اغتنم هذه الفرصة لكي أنوه بالمجهود المبذول من طرف مركز أعمال صفاقس في سبيل النهوض بالاستثمار وتنشيط الحركة الاقتصادية بالجهة مما جعل تجربة هذا المركز تمثل مرجعا أساسيا في المنظومة الوطنية للإحاطة بالباعثين و المؤسسات الصغرى و المتوسطة.
ولا يفوتني كذلك أن أشكر المسؤولين على هذا المركز الفتي على حسن اختيارهم لمحور هذه الدورة ألا وهو تمويل الاستثمار في قطاع التجارة الذي يمثل أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني وبوابة التعريف بالمنتوجات التونسية وتسويقها سواء على المستوى المحلي أو الخارجي.
سيداتي سادتي
لقد حرص سيادة رئيس الجمهورية منذ التحول المبارك على إيلاء العناية اللازمة لقطاع التجارة لتحرير مختلف مسالكه بهدف تطويره وتأهيله لكي يواكب ويساهم في النهضة الاقتصادية الشاملة التي تشهدها البلاد وفي الرفع من مستوى عيش المواطن التونسي.
وفي هذا المجال تم وضع أسس تحرير التجارة الخارجية وفتحها أمام المنافسة كما وقع تحرير بعض الأنشطة التجارية التي كانت حكرا على القطاع العمومي كتصدير زيت الزيتون وتجارة بعض المنتوجات الفلاحية وتم اعتماد إطار تشريعي خاص بالبيوعات المؤجلة لضمان مصالح المستهلك و المنتج كما تم حذف التراخيص الإدارية لتعاطي عديد الأنشطة التجارية مع تعميم كراس الشروط على أغلب هذه الأنشطة وإدخال مزيد من المرونة على الاستثمار الأجنبي بها.
وقد أفضت هذه الخيارات و التوجهات إلى تحقيق مكاسب هامة بالقطاع تعكسها المؤشرات المتعلقة بمساهمته في الناتج الوطني الإجمالي و التشغيل والاستثمار الأجنبي و التحسن المطرد للعرض مع تكاثر الفضاءات التجارية الحديثة التي أدخلت ديناميكية اقتصادية على مختلف القطاعات الأخرى كالفلاحة و السياحة خاصة فضلا عن تحسين جودة الحياة بالمناطق الحضرية و الريفية.
وقد تم التأكيد على هذا التوجه في البرنامج الانتخابي 2009"معا لرفع التحديات " حيث تتضمن النقطة العاشرة من البرنامج
" استرجاع المستوى العادي للنمو و رفع نسقه من جديد" اعتماد نشاط تجاري عصري و تحقيق نقلة نوعية للتجارة الكبرى مع منح امتيازات مجلة تشجيع الاستثمار لحاملي الشهادات العليا الذين يستثمرون في قطاع التجارة كما سيقع وضع برنامج وطني لتهيئة الأسواق العتيقة بالمدن و إطار تشريعي لحماية الاسم التجاري و العلامة التجارية مع تأسيس قاعدة تجارية كبرى للمنتوجات الفلاحية و الصناعات الغذائية بمختلف الجهات.
سيداتي سادتي
لقد ساهم الجهاز البنكي في تمويل استثمارات و أنشطة القطاع التجاري من خلال إطار تشريعي مرن و ملائم لخصوصيات هذا القطاع يهدف إلى تطويره و تأهيله وضمان مواكبته للتحولات العميقة للاقتصاد وبروز أنماط استهلاكية و تجارية جديدة .
ويعتبر منشور البنك المركزي التونسي المتعلق بطرق منح ومراقبة وإعادة تمويل القروض البنكية و الحامل لعدد 47 لسنة 1987 المؤرخ في 23 ديسمبر 1987 أي أيام قليلة بعد التحول المبارك، نقطة تحول هامة في تمويل حاجيات القطاع التجاري في مرحلتي الاستثمار و الاستغلال.
فبخصوص تمويل الاستثمار بالقطاع التجاري يعرف الفصل
29 من هذا المنشور بالقرض متوسط الأجل لتمويل الاستثمارات التجارية في مجالات إحداث و تهيئة وتوسعة المغازات ذات الأجنحة المتعددة والشركات التجارية ذات نقاط البيع المتعددة، ويساهم هذا الصنف من التمويلات في تطوير القطاع التجاري وتحسين العرض به وتضاهي نسبة القرض 60 % من كلفة الاستثمار بدون اعتبار الأصل التجاري والأموال المتداولة ويمكن أن تصل إلى 70 % من الكلفة بالنسبة للاستثمارات المنتصبة بمناطق التنمية الجهوية.
كما يتيح الفصل 28 من هذا المنشور للشركات التجارية الناشطة بقطاع تجارة وتوزيع المواد الإستراتيجية الحصول على قرض متوسط الأجل لتمويل بناء مستودعات لخزن وتوزيع هذه المواد وتساوي نسبة القرض 60 % من كلفة البناءات ويمكن أن تصل إلى 70 % من الكلفة بالنسبة للاستثمارات المنتصبة بمناطق التنمية الجهوية.
أما بالنسبة للنشاط التجاري في حد ذاته فقد تضمن المنشور المذكور عدة أصناف من القروض الممكن منحها للمتعاملين بالقطاع لتمويل نشاطهم نذكر منها :
- الإسقاط التجاري لكمبيالات المنتوجات المباعة على حالتها بالنسبة لتجارة الجملة و نصف الجملة ويقع تحديد سقف الإسقاط حسب رقم معاملات المبيعات لأجل و أجل تسديدها دون أن يتجاوز هذا الأجل 3 أشهر.
- قرض المكشوف البنكي غير القابل للتسييل الذي يوظف لتمويل حاجيات الخزينة المتأتية من الفوارق بين الإيرادات والمصاريف للنشاط التجاري و يمكن أن يصل إلى 15 يوما من رقم المعاملات السنوي للمتعامل التجاري.
- قرض متوسط الأجل الخاص بتمويل مبيعات المؤسسات التجارية النشاطة في قطاع تجارة المعدات الفلاحية ويقع تحديد سقف هذا القرض حسب حجم المبيعات لأجل و مدة التسديد الممنوحة للفلاحين ويمكن أن تبلغ 80 % من التوقعات السنوية لهذه المبيعات.
- قرض متوسط الأجل للإنتاج الخاص بتمويل المبيعات لأجل من المعدات و الآلات لفائدة المستثمرين و معدات التسخين الشمسي و المحركات العاملة بطاقة الرياح لفائدة المستثمرين و المستهلكين، ويقع تحديد سقف هذا القرض انطلاقا من حجم المبيعات لأجل و أجل التسديد الممنوح للحرفاء ويمكن أن يبلغ 80 % من هذه المبيعات و 90 % بالنسبة للسخانات الشمسية و المحركات العاملة بطاقة الرياح.
ومن جهة أخرى يمكن لمستهلكي المنتوجات و المواد ذات الاستهلاك المستديم و الآلات الكهرومنزلية و السيارات والحواسيب العائلية الحصول على قروض استهلاكية لتمويل مشترياتهم لدى تجار هذه المواد والمعدات حسب الفصل 35 مكرر من ذات المنشور مما يتيح للتجار بيع بضائعهم ناجزا ويساهم في تمويل دورة الاستغلال لديهم دون اللجوء للقروض البنكية لسد حاجياتهم.
أما على مستوى نشاط التجارة الدولية فعلاوة على إمكانية تمتع الشركات العاملة بهذا القطاع بقرض غير قابل للتسييل يصل إلى
15 يوما من رقم معاملاتها السنوي شأنها في ذلك كشأن المتعاملين التجاريين الآخرين فإنه يمكنها الحصول على قرض تمويل تمهيدي لصادراتها أو لعمليات التصدير الظرفية على غرار المؤسسات الصناعية ويمثل مبلغ القرض 30 % من توقعات التصدير السنوية
و يمكن أن يصل إلى 80 % من قيمة الصادرات في صورة الحصول على صفقة تصدير ظرفية.
كما يمكن للشركات التجارية المصدرة أن تنتفع بقرض إسقاط تجاري يمكنها من تسييل الديون المتولدة على الخارج و التي تقرر في شأنها، في إطار مساندة الشركات المصدرة على تخطي الأزمة المالية العالمية الأخير، التمديد في آجال خلاصها من 180 يوما إلى السنة.
هذا و نظرا لافتقار هذا الصنف من الشركات للضمانات العينية التي تقدم للبنوك مقابل القروض الممنوحة، فبإمكانها اللجوء إلى صندوق ضمان الصادرات ما قبل الشحن DHAMEN FINANCE " " الذي تم إرساؤه بالتعاون مع البنك العالمي لضمان قروض تمويل الصادرات الممنوحة لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة بعنوان صادراتها المنجزة انطلاقا من البلاد التونسية والمغطاة بواسطة اعتماد بنكي أو عقد تأمين الصادرات ضد مخاطر عدم الدفع. و يغطي تدخل هذا الصندوق 90 % من مبلغ القرض.
سيداتي سادتي
تمثل حصة قائم القروض الممنوحة من قبل الجهاز البنكي لفائدة القطاع التجاري في موفى سنة 2008 حوالي 16,9 % من قائم القروض الجملي وقد تطورت هذه الحصة بأكثر من 1,1 % حيث أنها لم تتجاوز 15,8 % في نهاية سنة 2007.
كما يبرز تطور القروض الممنوحة من قبل الجهاز البنكي لفائدة التجارة خلال سنة 2008 مقارنة بسنة 2007 نسبة نمو تفوق
21,4 % حيث ارتفع قائم القروض الممنوحة للتجارة من
4.567 مليون دينار في موفى سنة 2007 إلى أكثر من
5.544 مليون دينار في نهاية سنة 2008 في حين أن نسبة نمو قائم القروض الجملي الممنوحة من قبل الجهاز البنكي خلال نفس الفترة لا تتجاوز 13,1 %.
واستأثرت ولاية صفاقس بقرابة 9,2 % من التمويلات الممنوحة من قبل الجهاز البنكي لقطاع التجارة حيث بلغ قائمها في موفى سنة 2008 حوالي 510 مليون دينار مقابل 477 مليون دينار في موفى سنة 2007. كما مثلت القروض البنكية الممنوحة لقطاع التجارة بولاية صفاقس في نهاية سنة 2008 أكثر من 27,6 % من القائم الجملي للقروض البنكية التي تحصلت عليها سائر القطاعات الاقتصادية بالجهة.
ومن جهة أخرى فقد تطورت القروض الاستهلاكية الممنوحة من قبل الجهاز البنكي لتمويل اقتناء الحرفاء للسيارات لدى الممثلين التجاريين للعلامات المسوقة بتونس بأكثر من 60 % سنة 2007
و10 % سنة 2008 وبلغ قائمها أكثر من 260 مليون دينار في نهاية سنة 2008 مقابل 237 مليون دينار في موفى سنة 2007.
كما تطورت القروض الاستهلاكية الممنوحة من قبل الجهاز البنكي لتمويل اقتناء الحرفاء للسخانات الشمسية و الحاسوب العائلي لدى الممثلين التجاريين من 40 مليون دينار سنة 2007 إلى 51 مليون دينار سنة 2008 أي بنسبة ارتفاع تفوق 27,5 %.
وقد مكن توسيع التمويل القطاع التجاري من قبل بنك التونسي للتضامن بداية من سنة 2008 من إسناد 1982 قرضا بمبلغ 17,5 م د و خلق 3000 موطن شغل.
وتعكس هذه المؤشرات المكانة الهامة لقطاع التجارة في منظومة التمويل و العناية التي توليها مؤسسات التمويل له باعتباره القاطرة الدافعة لمختلف الأنشطة الاقتصادية الأخرى.
سيداتي سادتي
إن هذه النتائج الطيبة للمجهود المالي المبذول من قبل مؤسسات التمويل لا يجب أن تحجب الصعوبات التي يشهدها الجهاز البنكي للاستجابة لحاجيات التمويل لشريحة كبيرة من حرفائه من التجار خاصة في ظل تواضع جودة المعلومات المالية المقدمة و دراسات المر دودية وغياب القوائم المالية المدققة.
كما أن عدم ارتقاء عدد من العاملين بالقطاع إلى مستوى يواكب النهضة الشاملة للاقتصاد الوطني خاصة بالنسبة لإشكاليات التنظيم والجودة و غياب الأساليب الحديثة للتصرف واعتمادهم الكلي على الطرق التقليدية للتسويق يجعلهم لا يتمكنون من الحصول على التمويلات المناسبة ولا يمكنهم من النهوض بأنشطتهم رغم الفرص الجيدة التي يتيحها التطور الاقتصادي والتكنولوجيات الحديثة كالتجارة الإلكترونية والتسويق عن بعد.
وإني أدعو كافة الهياكل المنخرطة في منظومة الإحاطة بالباعثين الجدد و المؤسسات الصغرى و المتوسطة في مجال التجارة إلى وضع برنامج مستقبلي لتكوين و لدعم الكفاءات وتطويرها ومساعدتها على تحقيق نقلة نوعية في أنشطتها و الاستفادة من المجالات الواسعة التي أتاحها التطور التكنولوجي.
وشكرا على حسن عنايتكم، و السلام عليكم و رحمة الله
و بركاته.